عبد الكريم الخطيب

1232

التفسير القرآنى للقرآن

وحين وصلت إلى مكانها ، كان النبىّ وأصحابه قد بعدوا عنها ، وهم على يقين من أنها في هودجها ، على راحلتها التي يقودونها معهم . . والذي صنعته أم المؤمنين عائشة في تلك الحال ، هو أنها جلست في مكانها ، تنتظر عودة من يعود إليها من القوم ، بعد أن يفتقدوها في الرحل ، فلا يجدوها . . وكان من العادة أن يتخلّف وراء القوم من ينتدبونه ، لينظر . . إذا استبان النهار - فيما خلّفوه وراءهم من أدواتهم ، وأمتعتهم ، فيلتقطها ، ويحملها معه إلى أصحابها . . وذلك أنهم كانوا يرتحلون ليلا ، فتندّ عنهم بعض الأشياء التي يحجبها الظلام عنهم . . وقد كان « صفوان بن المعطل » - رضوان اللّه عليه - هو المنتدب لهذه المهمّة . . فلما استبان ضوء النهار ، وجاء حيث كان منزل الرسول وأصحابه في تلك الليلة ، رأى سوادا ، لم يتبيّنه أول الأمر ، وظنّه متاعا من أمتعة القوم ، فلما داناه رأى كائنا يتحرك في داخله - وكان الحجاب قد ضرب على نساء النبىّ - فلم ير لأم المؤمنين ، وجها ، ولكنه عرف أنها أم المؤمنين ، فاسترجع ، ثم أناخ لها بعيره ، فركبته ، وقاده بها حتى أدرك النبىّ وأصحابه في بعض الطريق . . دون أن ينطق بكلمة . هذا هو مجمل القصة . . ولكن المنافقين - وعلى رأسهم عبد اللّه بن أبىّ بن سلول - أخذوا يتهامسون ويتغامزون ، ثم تحول همسهم وتغامزهم إلى اتهام صريح لأم المؤمنين ، على هذا الصحابي الجليل ، صفوان بن المعطل . ! ثم أخذ هذا الحديث يدور في المدينة ، والمنافق عبد اللّه بن أبىّ ينفخ فيه ، حتى أصبح نارا مشتعلة ، علقت بأذيال المسلمين ، وأكلت كثيرا من القلوب المؤمنة . . كما أنها أكلت ما بقي من إيمان في قلوب المنافقين والذين في قلوبهم مرض !